الجاحظ

139

الحيوان

والكراهية له أو السّرور به بقدر ما حرّك النّفس منه . فإذا رأيت الغالب عليها الدنوّ منهنّ ، والتأمّل لهن ، فأدخل عليها امرأة مجرّبة غزلة تأنس بها ، وتفطنها لصنيعهنّ ، وتعجّبها منهنّ ، وتستميل فكرتها إليهنّ ، وتصف لها موقع اللّذّة على قدر ما ترى من تحريك الشّهوة . ثمّ أخرج المرأة عنها ، وحاول الدّنو منها ، فإن رأيت كراهية أمسكت وأعدت المرأة إليها ، فإنها لا تلبث أن تمكنك . فإن فعلت ما تحبّ وأمكنتك بعض الإمكان ، ولم تبلغ ما تريد فأخبرني بذلك . قال : وقلت له : مر المرأة فلتسألها عن حالها في نفسها ، وحالك عندها ، فلعلّ فيها طبيعة من الحياء تمنعها من الانبساط ، ولعلّها غرّ لا يلتمس ما قبلها من الخرق [ 1 ] . ففعل ، وأمر المرأة أن تكشفها عن ذات نفسها ، فشكت إليها الخرق [ 1 ] ، فأشارت عليها بالمتابعة ، وقالت : اعتبري بما ترين من هذا الحمام ؛ فقد ترين الزّوجين كيف يصنعان ! قالت : قد تأمّلت ذلك فعجبت منه ، ولست أحسنه ! فقالت لها : لا تمنعي يده ولا تحملي على نفسك الهيبة ، وإن وجدت من نفسك شيئا تدعوك إليه لذّة فاصنعيه ؛ فإنّ ذلك يأخذ بقلبه ، ويزيد في محبّتك ، ويحرّك ذلك منه أكثر مما أعطاك . فلم يلبث أن نال حاجته وذهبت الحشمة ، وسقطت المداراة فكان سبب الصّنع لهما ، والخروج من الوحشة إلى الأنس ، ومن الحال الدّاعية إلى مفارقتها إلى الحال الدّاعية إلى ملازمتها ، والضّنّ بها - الحمام . 745 - [ الخوف على النساء من الحمام ] وما أكثر من الرّجال ، من ليس يمنعه من إدخال الحمام إلى نسائه الّا هذا الشيء الذي حثّ عليه صاحب الفراسة ؛ وذلك أنّ تلك الرّؤية قد تذكّر وتشهّي وتمحن [ 2 ] . وأكثر النّساء بين ثلاثة أحوال : إمّا امرأة قد مات زوجها ، فتحريك طباعها خطار بأمانتها وعفافها . والمغيبة [ 3 ] في مثل هذا المعنى . والثّالثة : امرأة قد طال لبثها مع زوجها ؛ فقد ذهب الاستطراف ، وماتت الشهوة . وإذا رأت ذلك تحرّك منها كلّ ساكن وذكرت ما كانت عنه بمندوحة . والمرأة سليمة الدين والعرض والقلب ، ما لم تهجس في صدرها الخواطر ، ولم تتوهّم حالات اللّذّة وتحرّك الشهوة . فأمّا إذا وقع ذلك فعزمها أضعف العزم ، وعزمها على ركوب الهوى أقوى العزم .

--> [ 1 ] الخرق : الدّهش من خوف أو حياء « القاموس : خرق » . [ 2 ] تمحن : تصيب بالمحن والبلية . [ 3 ] امرأة مغيّبة : غاب عنها زوجها « القاموس : غيب » .